القاضي عبد الجبار الهمذاني

81

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وقد قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه : إن كان الغرض إثبات إمام في الزمان فإن لم يقع ولم يقم بالأمور ، وصح ذلك ، فما الأمان من أنه جبريل أو بعض الملائكة في السماء ؟ ويستغنى عن إمام في الأرض ؛ لأن المعنى الّذي لأجله نطلب الإمام عندكم يقتضي ظهوره ؛ فإذا لم يظهر كان وجوده كعدمه ؛ وكان كونه في الزمان بمنزلة كون جبريل في السماء ، بل إثبات جبريل متيقن ، وإثبات هذا الإمام مشكوك فيه . وهذا يبين فساد تعلقهم بمثل هذه الطريقة . على أنا قد بينا أن في الأخبار طرقا صحيحة نعلم بها صحة المنقول سوى التواتر والإجماع ، فقد يصح أن تكون الشريعة محفوظة . ومن عجيب الأمور أن يحيلوا حفظ الشريعة على من ليس بثابت ويعدلوا عن الأمور الثابتة بالأدلة الواضحة . ومتى قالوا بأن الإجماع حق لكون الإمام فيه أريناهم أنه لا فائدة تحت هذا القول ؛ لأن الحجة هو قول الإمام ، فضم سائرهم إليه لا وجه له ، كما لا يجوز أن نقول : إن إجماع النصارى حق إذا كان عيسى فيهم ، وقول اليهود حق إذا كان موسى فيهم . وكما لا يجوز أن نقول : إن إجماع الكفار حق إذا كان رسولنا عليه السلام فيهم . وقد بينا من قبل أنه لا بد من محقين في الأمة من الشهداء وغيرهم على ما يقوله شيخنا أبو علي ؛ / فإن رجعوا بهذا الكلام علينا في الشهداء لم يكن لازما ؛ لأنا لا نعينهم ولا يمتنع لفقد التعيين أن نجعل الإجماع الّذي هو حجة ، إجماع المؤمنين ، ولو تميزوا لجعلنا إجماعهم هو الحجة ؛ وليس كذلك ما قاله القوم ؛ لأن الإمام عندهم متميز ، فالذي ألزمناهم متوجه ، وهو عنا زائل .